مكاتب التوعية الدينية في المستشفيات

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله صحبه ومن والاه وبعد :

فأحسب أن معالي الدكتور أسامه شبكشي – وزير الصحة سابقا- كان محظوظا موفقا عندما أقر وافتتح في وقت وزارته مكاتب التوعية الدينية في المستشفيات ، ولعل أن يكون له الأجر الوارد في حديث :” من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ” رواه مسلم .  نعم ونحن نتأمل هذا الحديث نتذكر أجر آلاف الهدايا التي قدمت للمرضى من قبل هذه المكاتب ، وأجر آلاف من العاملين في المرافق الصحية من غير المسلمين والذين كانت هذه المكاتب سببا مباشرا في إسلامهم ، وكذلك نتذكر أجر آلاف الزيارات التي يقوم بها موظفو التوعية الدينية للمرضى لتصبيرهم والرد على أسئلتهم ، ونتذكر ايضا أجر آلاف من الأسئلة الفقهية المشكلة سواء عند المرضى أو المزاولين الصحيين والتي حلّت وأجيب عليها بمساعدة مكاتب التوعية الدينية ، ونتذكر أيضا أجر آلاف من المرضى والذين قدم لهم ما يسمى بالعلاج “الروحي ” سواء من المرضى المصابين بالأمراض المزمنة ، أو الحالات الميؤوس منها طبيا أو حتى أقارب أولئك المرضى، كل ما سبق وغيره أجره بإذن الله يضاف إلى أجر من ابتدأ هذه المكاتب وشجعها .

إن مكاتب التوعية الدينية في مستشفياتنا مع ما يكتنفها من قلة الدعم ، وقلة الإمكانيات ، وقلة الموظفين فيها إلا أني أحسب أن لها بركة عظيمة على المستشفيات الموجودة فيها ، وما ذاك إلا لأننا نعيش في مجتمع مسلم فريد ، الدين يمثّل فيه المورد العذب الذي يتعطش له المريض والصحيح على حد سواء، ويثبت ذلك إحدى الدراسات المحلية والتي عملت في مستشفيات منطقة الرياض وبينت أن نسبة كبيرة من المرضى يرون أن تذكيرهم بالأمور الشرعية خلال وجودهم في المستشفى هو من أهم مفردات المعاملة الحسنة المحببة للمريض وهو ما يعكس في البيئة الصحية ما يسمى ب “patient satisfaction  ” يعني قياس مقدار رضى المريض عن الخدمة المقدمة له.

في هذا السياق أيضا أتذكر خلال فترة عملي كطبيب في كندا حيث كان المرشد الديني النصراني في المستشفى له مكانته بل كان يشارك الأطباء في نقاشهم حول بعض المرضى ويدلي بنصائحه . إن أولئك القوم يشعرون بأهمية التوعية الدينية في المستشفيات ولذلك ربما طلبوا من التابعين للديانات الأخرى توفير من يقوم بالإرشاد الديني لمرضاهم ، وإن كانت الدولة هناك لا توفر وظيفة رسمية إلا للمرشد الديني النصراني . فواعجبا منا نقتفي أثرهم في بعض ضلالهم بينما نتناسى أن نستفيد من بعض مآثرهم .

إن من الطرف المحزنة المضحكة أن اللجنة الدولية المتحدة لاعتماد المنظمات الصحية (JCI) قد انتقدت في إحدى زياراتها للإعتراف بأحد المستشفيات الكبيرة الشهيرة في بلادنا، انتقدت ذلك المستشفى في عدم وجود مكتب للتوعية الدينية فيه . سبحان الله شيء مضحك أولئك القوم وهم لا يؤمنون بديننا ينتقدون علينا عدم توفير الإرشاد الديني اللازم للمرضى بينما بعض من هم من ديننا ومجتمعنا يطالبون بإلغاء مكاتب التوعية الدينية في المستشفيات جهلا وظلما من عند أنفسهم .

اقول هذا وأنا يكتنفني الحزن والإستغراب لمقال قرأته في صحيفة عكاظ في عددها (4714) والصادر بتاريخ 15/7/1435 ه ،   يطالب فيه صاحبه وزير الصحة المكلف بإلغاء مكاتب التوعية في المستشفيات . وأنا أنقل إليك أيها القارىء الكريم في هذه العجالة بعض المقتطفات من هذا المقال وأعلق عليها ليتبين للجميع ضعف الفكرة التي دعى إليها الكاتب وأنها لم تصدر عن معرفة وإلمام بوظيفة هذه المكاتب    .

يقول – هداه الله في مقالته المعنونة ب ” رسالة أخرى إلى عادل فقيه ” :-

_   (غير الرسائل التي يتلقاها وزير الصحة المكلف عادل فقيه عن كورونا هذه الأيام ).

قلت : استعجاله في بث فكرته  أنساه اعطاء الناس قدرهم ، ولو تأمل قليلا لعرف أن من حق الوزير ألا يذكر باسمه المجرد في مثل هذه المقالات بل يقال : معالي وزير الصحة……. ، وإن ثنَى بدعاء أو ثناء كان أولى وأجدر وهذا من أبجديات مخاطبة الوزراء والمسؤولين . أيضا لا أدري كيف لم يميز الكاتب هذا الوباء باسمه ، فهل كورونا مرض أو ظاهرة أو غير ذلك ، ولو قال : مرض كورونا أو فيروس كورونا لكان أولى وأحرى.

_ يقول : ( وجود لجان دينية بالمستشفيات تشغل منسوبيها بما ليس شغلهم ).

قلت : نعود أيضا إلى الأساسيات وهي أن ما يسميه الكاتب “لجان ” هي مكاتب وليست لجان كما قال . ثم لو كان الكاتب من منسوبي المستشفيات لقلنا لعل له اطلاعا على مثل هذه المكاتب وطريقة عملها وله حق النقد لكن الذي تبين غير هذا فهو يقول 🙁 وقد أخبرني أحد الأطباء الأصدقاء ) : يا سبحان الله ! كل هذا الحماس والمطالبة للوزير بإلغاء جهة تشكل إدارة مستقلة في الوزارة لأجل خبر عن صديق ؟! كيف لم يكلف نفسه هذا الكاتب وقد كتب مقالا في صحيفة سيارة وطالب الوزير بلغة الناصح ، كيف لم يتثبت ويرجع إلى طبيعة عمل هذه المكاتب ويسأل أكثر من مرجع ليعرف حقيقة ما يكتب فيه. ما هذا السقط والتسطيح عندنا بحيث يكتب كتاب في أعمدة صحف يقرأها ربما الملايين من الناس وهؤلاء الكتاب يبنون مقالاتهم على ” سوالف ” من أصدقاء زعموا !.

( ألا ساء ما يحكمون ) .

_ قال – وقد نص على هذه العبارة بمعكوفتين – ( أن هذه اللجان (المفعلة بقوة ) تعقد اجتماعات دورية مطولة وتعمل على قرارات ومطولات كتابية ليس لها علاقة من قريب أو بعيد في الشأن الطبي ).

قلت : إن الكاتب يوهم القارىء وكأنه يقرأ عن تنظيم سري ولجان فيها العشرات تمتلىء بهم قاعة الإجتماعات وعندهم كل الوسائل المتاحة وعندهم من الصلاحيات والأعمال الطويلة بحيث تصدر اجتماعاتهم عن  ملازم مطولة تحمل قرارات كثيرة . لكن عجبنا من هذا التزييف يزول إذا عرفنا أن هذا الإستنتاج جزء من “السواليف” مع الصديق . إن مكاتب التوعية التي يتكلم عنها لا يكاد يوجد لها وظائف رسمية ضمن هيكلة المستشفيات التي تعمل فيها ، بل إن عدد الموظفين فيها لا يكادون يزيدون عن اثنين فى كبرى المستشفيات ناهيك عن غيرها ، هذه المكاتب التي يتكلم عنها ويصورها وكأنه يصور “هيلامانا ” هي تشكي من قلة الدعم المادي والمعنوي وكثير من العاملين فيها يحملهم الإحتساب ليس إلا لأداء هذا العمل . ثم كيف يقول – هداه الله – : ليس لها علاقة في الشأن الطبي ! ويبدو أنه هو الذي لا يعرف الشأن الطبي من قريب ولا بعيد . ادخال السرور على المريض وزيارته ورفع معنوياته وإهدائه والإجابة على الأسئلة الفقهية التي يحتاجها ومساعدة الفريق الطبي على التواصل مع المريض وذويه في بعض الحالات ، كل هذا وغيره ليس له علاقة بالشأن الطبي ؟!. ( ألا ساء مايحكمون ).

_ قال : (قد نفهم أن هناك مجموعة صغيرة مكلفة من إدارة المستشفيات أو القطاع الطبي لمراقبة الزي المناسب والذوق العام فيها ، لكننا لا نفهم أن تكون في المستشفيات لجنة دينية تدعو وترشد وتتحفظ وتفسرالأمور حسب وجهات نظر أعضائها ).

قلت : وكأني من هذه الكلمات التي بدأ الكاتب يخلط فيها بين وظيفة إدارة المتابعة في المستشفيات ومكاتب التوعية الدينية فيها ، أقول كأني بدأت أعرف سبب هذا المقال إذا صدق ظني وهو ربما حادثة معينة حدثت لأحد يعرفه الكاتب حول الذوق العام !! مما نغص عليه وأذاقه مرارة في ذوقه فأثارت هذه الحادثة حفيظة أخينا الكاتب فسطَر هذه المقالة انتصارا له . أياً ما فإن كلام الكاتب يدل على عد معرفته الدقيقة  بوظيفة واختصاصات مكاتب التوعية والتي تتكامل في عملها مع ادارة المتابعة بل إن إدارة المتابعة تحتاج إلى مكاتب التوعية أحيانا للإرشاد والتوعية زيادة إلى أن هذه المهمة تشكل جزء صغيرا من عمل مكاتب التوعية الدينية الكثيرة المهمة .

_ قال: ( الدعوة والإرشاد لهما مؤسساتهما الوعظية الناشطة ويفترض أن هذه المؤسسات هي المخولة وهي الأعلم ).

قلت : هذا كلام خطير وخلط للأوراق فهو هنا كأنه يريد أن يلبس وزارة الأوقاف والدعوة والإرشاد لبوس مكاتب التوعية في المستشفيات ، وإن كان هناك تشابها في بعض المهام إلا أن مكاتب التوعية الدينية في المستشفيات لها مجالات أخص بالموجودين في أسوار المستشفى . ثم إن من لازم كلامه – هداه الله – أن نلغي مثلا مكاتب العلاقات العامة والإعلام في عدد من الهيئات والوزارات بحجة أن هناك وزارة مختصة بذلك ، وقل نفس الكلام في مكاتب الأمن وغيرها والتي يكون لها وظيفة مشابهه في مسماها لوزارة أخرى لكن عملها مختص بدائرة أو وزارة لها تخصص آخر .

_ في نهاية المقال بدأ الكاتب يذكر بعض المبادىء التي يذّكر بها الوزير من باب ذر الرماد على العيون ولتسويغ مقالته وفكرته الضعيفة ، فيذّكر بالإتقان في العمل والتركيز والنهوض بالقطاع  … الى آخره .

قلت : إنني والله لأتعجب من هذا المقال : كيف أن وزارة كوزارة الصحة عليها أعباء كثيرة وأمامها تحديات كبيرة ثم يأتي كاتب ليصّور أن الإتقان والنهوض بالوزارة يتم من خلال إلغاء مكاتب التوعية الدينية . إن كل منصف يعمل في المستشفيات ليعرف معرفة تامة أهمية وجود مكاتب التوعية الدينية فيها ، وأن الإهتمام بها هو جزء لا يتجزأ من الإهتمام بصحة المريض والرقي بالقطاع الصحي ككل  ، كما أن وجودها شرط من شروط المعايير الصحية العالمية وقبل ذلك كله هو جزء من ديننا الحنيف الذي يأمر بالعناية بمعنوية المريض والقيام بحقه والإهتمام بعباداته وأموره الشرعية .

إنني وعن معرفة – وأنا أتكلم من داخل المستشفيات- أقول أن مكاتب التوعية الدينية في المستشفيات تعاني من ضعف الإهتمام بها وعدم دعمها الدعم الكافي للقيام برسالتها الرائدة والتي يشعر بها كل منصف زار المستشفيات أو عمل فيها ومن أراد أن يعرف هذا الأمر جليا فليرجع إلى مؤتمر الدعم الروحي للمرضى والذي أقيم في مدينة الملك فهد لطبية بالرياض في العام المنصرم 1434 للهجره والذي شاركت فيه مكاتب التوعية الدينية في الشؤون الصحية من كافة مدن المملكة ليرى بأم عينه المنجزات والمخرجات والمشاريع الرائدة والأفكار الجميلة والتي خرجت من رحم هذه المكاتب – مع ما تعانيه من ضعف الدعم لها- لتصب في مصلحة المريض بداية وتواكب أيضا النهضة الصحية في بلادنا الطيبة .

إن المهام التي تقوم بها هذه المكاتب هي أكبر بكثير من عدد العاملين بها ومن الدعم المخصص لها ، ولذلك فإني أدعو  معالي الوزير وفقه الله أن يكون له حصة من أجر هذه المكاتب المباركة وذلك بدعمها بصورة أكبر لا من حيث الوظائف المتاحة لها ولا من حيث دعم مشاريعها ، وأيضا دعمها معنويا لأن مقال الكاتب الذي نحن بصدده وغيره من مقالات اطلعت عليها تبث سمومها لإلغاء  هذه المكاتب وإجهاض مشاريعها ، ولا أدري هؤلاء الكتاب قد غاضهم الشطر الأول من اسم هذه المكاتب أم الشطر الثاني مما حملهم على أن يغصوا بها ويتقيؤا التهمة عليها والتشنيع بها والهمز واللمز لها . لكنني أقول يكفي تلك المكاتب الثناء العطر والدعاء الصادق الذي يتدفق عليها من المرضى وذويهم والذين عرفوا حقيقة ” مكتب التوعية الدينية في المستشفى ” بينما لم يعرفها الكاتب ولا غيره ممن يطالب بإلغائها .

هدانا الله وسائر إخواننا المؤمنين ووفقنا جميعا للسداد والرشاد .

 

د طارق بن صالح الفواز

استشاري الأمراض المعدية في الأطفال

20 رجب 1435 للهجره

اتصل بنا

نسعد بتلقي ملاحظاتكم

3 + 10 =